|
حمى الخنازير أم حمى دونالد رامسفيلد
لماذا حمى الخنازير ؟
في زحمة الأزمة المالية العالمية التي عبرت بوضوح و جلاء عن عمق الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام الرأسمالي المتوحش بشكله العولمي المستكبر ، كانت انطلاقة حمى الخنازير في المكسيك الربيع الماضي و هي نفس اللحظة التي تردت فيها أرباح شركات الأدوية و الصناعة الحيوية الدوائية على الصعيد العالمي بشكل كبير جراء تراجع أسهمها الخلبية في الأسواق المالية العالمية و خاصة بورصة نيويورك ، فأتت حمى الخنازير لتنقذ مجموعة شركات الأدوية العابرة للقارات Roche و التي تتحكم ب 22% من سوق الدواء العالمي حيث حصدت بناء على تصريحاتPJ Morgan من بنك الاستثمار الدولي 3 بليون دولار لمبيعات للأدوية مضادات الفيروسات التي تصنعها تلك المجموعة السويسرية العابرة للقارات مع الإشارة إلى أن جميع هذه الأموال تأتي من أموال دافعي الضرائب المسحوقين في الدول الغربية الذين يئنون من وطأة التواطؤ المريع بين حكوماتها التي تعمل في واقع الأمر كوكيل تنفيذي لتلك الشركات العابرة للقارات في عملية تنظيم امتصاصها لجهد و روح الطبقات المسحوقة المظلومة على المستوى الكوني . رامسفيلد الشيطان السري
جايليد Gılead أو القائد العملاق هي الشركة المصنعة لدواء أوسيلتاميفير Oseltamıvır المعروف عالمياً تاميفلو ( Tamıflu ) و التي يملك دونالد رمسفيلد ( وزير الدفاع الأمريكي الأسبق ) أكثر من 50% من رأسمالها و شغل منصب رئيس مجلس إدارتها حتى نهاية العام الماضي و التي لأجل إتمام عملية تهربها من دفع الضرائب المستحقة عليها في الولايات المتحدة قامت بالدخول من العام 1998 في شراكة مع مجموعة Roche الدوائية العملاقة التي نظرياً تراكم أموالها في سويسرا بعيداً عن دفع الضرائب في الولايات المتحدة حسب نظام الإعفاء الضريبي للشركات الدولية العابرة للقارات الماصة لدماء الفقراء في العالم و التي تدير أعمالها من سويسرا خزينة المال الأسود العالمي بأشكاله المختلفة .
و لكن شركة رامسفيلد التي لم تستطيع الاستفادة بشكل جيد من أنفلونزا الطيور كداء عالمي كونه أصاب مجموعة من الدول الفقيرة التي أساساً لم تكن قادرة على دفع ثمن دواء Tamıflu الباهظ و المقدر بحوالي 70 دولار للجرعة الواحدة ، فكان لا بد من طريق أخر لذلك .
جورج بوش الابن العميل السري
عندما أخفق جورج بوش الابن بالتعامل مع الآثار المدمرة للإعصار كاترينا في الولايات المتحدة كان لا بد من إلهاء المجتمع الأمريكي بخطر آخر محلي لإلهاء الرأي العام الأمريكي به حيث لا ينفع الترهيب بخطر الإرهاب في ذلك الموضع فما كان من الآلة الإعلامية الأمريكية كإحدى آلات الترويج الدعائي السمي للرأسمالية العولمية المتوحشة هو التحذير من أن الكوارث قد تفضي إلى انتشار الأوبئة و أن أحدهم هذه الأوبئة هو الأنفلونزا و التي قد تقتل من الأمريكيين أكثر مما يقتل الإرهاب في أمريكا ، و هنا برزت شركة رامسفيلد Gılead المتوحشة لتعرض منتوجها السحري Tamıflu لتشتريه الإدارة الأمريكية بكميات كبيرة و تقوم بتخزين 40 مليون جرعة منه على حساب دافعي الضرائب من العمال الأمريكيين المسحوقين و الذين لا يستطيعون التهرب من دفع الضرائب كما يفعل رامسفيلد و شركته لتصبح الفاتورة أكثر من 7 مليارات دولار أمريكي ذهبت إلى جيب رامسفيلد خلال ستة أشهر .
حمى الخنازير و التوقيت الخبيث
هناك دائماً في جعبة السياسيين خيارات بديلة في لحظات الأزمات ، و لدى اشتداد الأزمة المالية في الولايات المتحدة في شهر آذار 2009 مما نجم عنه تراجع كبير في قيمة الأسهم لمجموعات شركات Gılead و Roche على المستوى العالمي فما كان منها إلا أن فتحت الأدراج على الخيارات البديلة التي تقوم بعلاج أزمتها على حساب دماء الفقراء في جميع أنحاء العالم و لكن بالاستفادة من تجربة أنفلونزا الطيور التي أصابت مجموعة الدول الفقيرة و التي لم تستطع شراء منتجات Roche الفاخرة ، و هناك كان لا بد لوجود فيروس جديد هجين باسم H1N1 يسبب المرض في الخنازير و ينتقل للبشر و بين البشر أنفسهم و ذلك ميسر تماماً عبر تقنيات الاستدماج المورثي ( Genetic Recombination ) و التي تمكن من تصنيع أي فيروس جديد عبر إجراء خلطات بأشكال مختلفة بين عدد من ذراري الفيروسات الموجودة أساساً في الطبيعة و هو يتم فعله بشكل يومي في مختبرات الأبحاث المتقدمة في الدول الغربية لهدف البحث العلمي و هو ما يستطيع رامسفيلد بعقله الشيطاني استخدامه لجني أرباح أكثر إضافة لما جناه من تهشيم العراق .
و ذلك يتجلى عملياً في النقطتين التاليتين :
- فيروس H1N1 غير معروف سابقاً ببنيته الجينية الراهنة حيث أن غلافه البروتيني معروف في الطبيعة سابقاً و لكن ببنيته الوراثية الداخلية غير معروفة سابقاً و تبدو هجينة Hybrid و غير متسقة وراثياً .
- سلوك الفيروس غير منتظم إمراضياً حيث أنه يبدو من الفيروسات المحتومة و التي تستطيع التكاثر إلى عدة دورات خلوية ثم تبدأ في الموت الذاتي لعدم قدرة بنيتها الوراثية على الصمود لفترة طويلة و هذا يفسر سبب كون الهجمة العالمية لذلك الداء شديدة في مراحلها الأولى في المكسيك ثم متواضعة بعد ذلك و هذا ينسجم مع أن الفيروس تم تصنيعه في المختبرات و ليس شكلاً نموذجياً لتطور الفيروسات في الطبيعة .
التواطؤ السري لعملاء المحافظين الجدد
لا يرغب الكثيرون في تجريم منظمة الصحة العالمية في دورها المتواطئ مع شركات الأدوية العالمية في موضوع حمى الخنازير و خاصةً أن منظمة الصحة العالمية تعتمد في تمويلها أساساً على تبرعات الولايات المتحدة و التي تحكمها الشركات الكبرى التي تمثل شركة رامسفيلد إحدى أهمها . و لكن من المنطقي طرح السؤال حول عدم تفضيل منظمة الصحة العالمية لحظر الطيران من و إلى المكسيك في بدء ظهور الأزمة و هو ما كان قد يخفف في وطأة الأزمة و شدتها بشكل كبير و يوفر بعض الوقت لإنتاج لقاح ملائم يخفف من احتياج البشرية لاستهلاك أدوية رامسفيلد .
رامسفيلد و سياسة الإعلان الفاشي
نعم أنه رامسفيلد الوحيد الذي بزّ وزير دعاية هتلر ووضعه في خانة السذج أمام فنه الفاشي في الدعاية الكاذبة التي تسخر كل الوسائل اللاشرعية لجعلها مقنعة بالقوة عند الحاجة و على المستوى الكوني ، و هنا نستفيد من الأرشيف ما صرح به حرفياً Edelman كبير المستشارين الإعلاميين لشركة Roche إبان اندماجها التجاري مع Gılead في العام 1999 : (( لقد قامت Roche بخلق 12 مؤسسة علاقات عامة للاستفادة من الأنفلونزا بأشكالها المختلفة كخبر للصفحات الأولى و عناوين نشرات الأخبار و ذلك لإظهار أهمية دوائنا Tamıflu في الأسواق المئة الأكثر أهمية في العالم ، و لقد قامت Roche بالتقاط الأطباء المحليين في تلك الأسواق و الذين أبدو اهتماماً بالتعاون مع حملاتنا الإعلامية و ذلك للاستفادة من وجودهم في إضفاء مصداقية و بعد طبي ملموس على حملاتنا الإعلامية الخاصة بترويج دواء Tamıflu و نحن نحضر لفريق ثالث خارج شركة Roche يحتوي على العديد من المهنيين المرموقين في مواقعهم العلمية ليقوموا بدور المتحدثين الرسمين من منابرهم العلمية ليعرف الكل في جميع أنحاء العالم أهمية Tamıflu )) و هذا لا يعني إلا جملة دعائية تخالف أبسط قواعد أخلاقيات الطب و العمل الصحي و التي ليس لها بالتأكيد بأخلاقيات رامسفيلد الرأسمالية الشيطانية .
اجرعوا السم فهذا قدركم الرامسفيلدي
على الرغم من عدم تكامل أي دراسات مستقبلية كافية فقد تم خلال السنوات التسعة الماضية حصول شركة Roche على ترخيص لاستعمال دواء Tamiflu لدى الأطفال و الحوامل و من ثم بشكل استثنائي تم تعديل مدة صلاحية الدواء من خمس إلى سبعة سنوات بحيث تطمئن Roche إلى أنها تستطيع أن تبيع أي فائض لديها دائماً دون خطر كساد أي كميات لديها و ذلك دون وجود أي طرق ثالث حقيقي لتقييم مصداقية تمديد الفعالية ذلك !
و ذلك كله في ضوء اعتراض العديد من الأطباء الحقيقيين على المستوى العالمي على فعالية و سياسة استخدام دواء Tamıflu و أثاره الجانبية و خاصة في زيادة الميل إلى الانتحار لما أدى إلى وقف استعمال الدواء في اليابان و لكن ليس في أي من الدول الأخرى التي يحكمها الفاشيون المحافظون الجدد أو وكلاؤهم الجدد .
رامسفيلد شايلوك المعاصر
نعم هو كذلك ( شايلوك المعاصر ) فقد رفضت Roche باستمرار تخفيض سعر الدواء للدول النامية التي لا تستطيع دفع 70 دولار للجرعة الواحدة لملاينها من المفقرين و ظلت ترفض منح أي ترخيص لأي شركة دواء محلية لتصنيع الدواء محلياً مما يخفض سعر الدواء على فقراء العالم و بررت ذلك بأنها تبرعت بإحدى عشر مليون جرعة مجانية في منظمة الصحة العالمية . نعم لأن منهج رامسفيلد في إدراة شركات الأدوية التي يملكها و يرأس مجلس إدارتها لا يستطيع إلا أن يستعيد منطق جده شايلوك !
نعم أنه فصل واقعي في السيرورة الطبيعية لسلوك الرأسمالية المعولمة و التي لا تستطيع إلا تعتاش على دماء الفقراء و المسحوقين في جميع أقصاع هذا الكوكب ، نعم إنها الرأسمالية الليبرالية المعولمة التي ليس عدوها الإرهاب أو أسلحة الدمار الشامل وإنما الفقراء المسحوقين الذين هناك بقية من الرمق في عروقهم لامتصاصها . نعم أنه رامسفيلد .... نعم إنه شايلوك !
بقلم : د . مصعب قاسم عزّاوي اختصاصي علم الأمراض الجزيئي ( لندن )
|